محمد متولي الشعراوي
5812
تفسير الشعراوى
إن الكذب من عندكم أنتم ، فإن كنتم تكذبوننى وتدّعون أنى أقول إن هذا من اللّه ، وهو ليس من اللّه ، وتتمادون وتكذّبون بالآيات وتقولون هي من عندك ، وهي ليست من عندي ، بل من عند اللّه ؛ فالإثم عليكم . والكذب إما أن يأتي من ناحية القائل ، وإما من ناحية المستمع ، وأراد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عدالة التوزيع في أكثر من موقع ، مثلما يأتي القول الحق مبيّنا أدب النبوة : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ « 1 » . . ( 24 ) [ سبأ ] وليس هناك أدب في العرض أكثر من هذا ، فيبين أن قضيته صلّى اللّه عليه وسلّم وقضيتهم لا تلتقيان أبدا ، واحدة منهما صادقة والأخرى كاذبة ، ولكن من الذي يحدد القضية الصادقة من الكاذبة ؟ إنه الحق سبحانه . وتجده سبحانه يقول على لسان رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وفي ذلك طلب لأن يعرضوا الأمر على عقولهم ؛ ليعرفوا أي القضيتين هي الهدى ، وأيهما هي الضلال « 2 » . وفي ذلك ارتقاء للمجادلة بالتي هي أحسن من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ويقول الحق سبحانه :
--> ( 1 ) هذا من باب اللف والنشر ، وهو لون من ألوان البديع في القرآن ، وتعريفه : « أن يذكر شيئان أو أشياء ، إما تفصيلا بالنص على كل واحد أو إجمالا ، بأن يؤتى بلفظ يشتمل على متعدد ، ثم يذكر أشياء على عدد ذلك ، كل واحد يرجع إلى واحد من المتقدم ، ويفوّض إلى عقل السامع رد كل واحد إلى ما يليق به ، ( الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 3 / 279 ، 280 ) وهو هنا تفصيلي ، وذلك مثل قوله تعالى : جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ . . ( 73 ) [ القصص ] ، فالسكون راجع إلى الليل ، والابتغاء راجع إلى النهار . ( 2 ) وقد استخدم صحابة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذا المنهج مع المشركين ، فكانوا يقولون لهم : « واللّه ما نحن وإياكم على أمر واحد إن أحد الفريقين لمهتد » ذكره ابن كثير في تفسيره ( 3 / 538 ) من قول قتادة . وهو دعوة لإعمال الفكر والعقل من جانب المشركين .